كتاب حكم التحكيمكتب علوم سياسية وقانونية

كتاب حكم التحكيم

إذا كانتِ العدالةُ في الدولةِ المعاصرةِ تتميَّزُ بكونِها عدالةً عامَّةً (Public Justice) تمارسُها الدولةُ من خلالِ أجهزتِها القضائيَّةِ المُختَصَّةِ، فإنَّ اعتباراتٍ مُتعدِّدةً اقتضتْ أَلا تبقى أجهزةُ قضاءِ الدولةِ هيَ المُحتَكِرةَ الوحيدةَ لحَسْمِ المنازعاتِ بينَ الأشخاصِ في المجتمعِ، وإنَّما يشاركُها في ذلكَ، وفي نطاقِ مُنازعاتٍ مُعيَّنةٍ على الأقلِّ، قضاءُ التحكيمِ، بِحُسبانِهِ صورةً مُنظَّمةً قانوناً من صورِ القضاءِ الخاصِّ المُعترَفِ بهِ في جميعِ النُظُمِ القانونِيَّةِ في العالمِ وعلى اختلافِ مَشاربِها. ومنَ المعلومِ أنَّ قضاءَ التحكيمِ ـ كأسلوبٍ لحسمِ المنازعاتِ بينَ الأفرادِ في المجتمعِ ـ يقومُ على مُرتَكزَيْنِ أساسِيَّينِ هُما: أوَّلاً: إرادةُ الخصومِ (Party autonomy) وثانياً: إقرارُ وتنظيمُ المُشَرِّعِ لهذِهِ الإرادةِ (State Regulation). فالدولةُ تُجيزُ التحكيمَ؛ لتُغْني الأشخاصَ عن الالتجاءِ إلى القضاءِ، مع ما تَقتضيهِ هذهِ الإجازةُ من توفيرِ الوقتِ والجهدِ والنفقاتِ عليهِم. ولهذا نَجِدُ أنَّ المُشَرِّعَ يمنحُ الخصومَ الحقَّ في اختيارِ أشخاصِ المُحكِّمينَ أو في وضعِ القواعدِ التي يتمُّ على ضوئِها اختيارُهم، كما يمنحُهمْ الحقَّ في اختيارِ شكلِ ونوعِ الإجراءاتِ التي يَتوجَّبُ على المُحكِّمِ اتِّباعُها، وفيما إذا كانتْ مؤسَّسيةً (Institutional) أو حُرَّةً (Ad hoc)، والقانونِ الذي يجبُ عليهِ تطبيقُهُ، سواءٌ على الإجراءاتِ (Lex Arbitri) أو على الموضوعِ (Substantive Law)، واللغةِ أو اللغاتِ التي يجبُ أنْ تُسيَّرَ بها إجراءاتُ التحكيمِ، ومَقرِّ التحكيمِ (Seat of Arbitration) وغيرِها من المسائلِ. ونظراً لأهمِّيةِ التحكيمِ ودورِهِ في فَضِّ المنازعاتِ بينَ الأشخاصِ في المجتمعِ، فقد اعترفتْ جميعُ التشريعاتِ الوطنيَّةِ والدوليَّةِ بسُلطةِ هيئةِ التحكيمِ بالفصلِ بالمنازعاتِ، من خلالِ إصدارِها قراراتٍ نهائيَّةً، مُلزِمةً لأطرافِ النزاعِ، مُكتسِبةً حجِّيةَ الأمرِ المقضيِّ بهِ (Res judicata)، وقابلةً للتنفيذِ، عبْرَ الجهازِ القضائيِّ للدولةِ، المطلوبِ تنفيذُ حكمِ التحكيمِ فيها، شريطةَ صدورِ هذهِ الأحكامِ على النحوِ الذي رسمَهُ القانونُ. ولكنْ، في مقابلِ اعترافِ مُشرِّعِ الدولةِ بمبدأِ سُلطانِ الإرادةِ (Party Autonomy) في نشأةِ قضاءِ التحكيمِ وتنظيمِهِ، فإنَّهُ لم يغفَلْ عن حقيقةِ أنَّ تحقيقَ العدالةِ في المجتمعِ هي من أهمِّ وظائفِ الدولةِ؛ وبالتالي فإنَّ الدولةَ، أيَّةَ دولةٍ، عندَ إجازتِها لقضاءِ التحكيمِ، لا تتنازلُ عن أداءِ هذهِ الوظيفةِ، التي هيَ من أهمِّ مظاهرِ سيادتِها، بلْ تُرخِّصُ باستعمالِها من قِبَلِ أشخاصٍ، هُمْ محَلِّ ثقةِ المُتخاصمين؛ أولئكَ همُ المحَكِّمون. وتعودُ أسبابُ هذا الترخيصِ إلى ما يُحقِّقهُ قضاءُ التحكيمِ من مزايا، باعتبارِهِ قضاءً موازياً لقضاءِ الدولة، سواءٌ بالنسبةِ للدولةِ نفسِها أو بالنسبةِ للخصومِ. ففيما يتعلَّقُ بالمزايا التي يُحقِّقُها قضاءُ التحكيمِ للخصومِ، فهيَ تختلفُ من اتِّفاقِ تحكيمٍ إلى آخرَ، ولكنَّها في جُملتِها تتمثَّلُ في الرغبةِ في الحصولِ على حكمٍ يَحسِمُ النزاعَ بطريقةٍ أكثرَ سرعةً، وأكثرَ فعاليَّةً، وأقلَّ كلفةً وأخفَّ لدداً، بالإضافةِ إلى تمكينِ الخصومِ من اختيارِ قُضاتِهم، أيْ مُحَكِّميهم، من ذوي الخبرةِ والاختصاصِ في الفصلِ في المنازعةِ ذاتِ الشأنِ، وفي الرغبةِ بالمحافظةِ على السرّيةِ في المسألةِ المتنازعِ فيها، وبالإضافةِ إلى ذلكَ تزدادُ أهمِّيةُ التحكيمِ في المنازعاتِ ذاتِ العنصرِ الأجنبيِّ، من ناحيةِ تجنيبِ أطرافِ تلكَ المنازعاتِ اللجوءَ إلى قضاءٍ وطنيٍّ غريبٍ على أحدِ المُتقاضييْنِ، إنْ لم يكنْ غريباً عليهِما معاً، ولهذا يُعدُّ قضاءُ التحكيمِ في إطارِ العلاقاتِ التجاريَّةِ الدوليَّةِ قضاءً مُحايداً (Neutral) بكلِّ ما تَحمِلهُ الكلمةُ من معنى، ويُحَقِّقُ لهم ما يُسمّى بالحيادِ الإجرائيِّ (Procedural Neutrality)، والذي لا يمكنُ أن يتوفَّرَ بالقضاءِ الوطنيِّ المرتبطِ ارتباطاً وثيقاً في دولتِهِ سيادةً وقانوناً. وأمّا فيما يَتعلَّقُ بمصلحةِ الدولةِ في إجازةِ التحكيمِ فتَتمثَّلُ ـ في الغالبِ ـ بالرغبةِ في تَخفيفِ العبءِ الكبيرِ المُلقى على عاتقِ مَحاكِمِها؛ بسببِ تَكدُّسِ وتَنوُّعِ العديدِ من القضايا في أدراجِها وعلى مكاتبِ قُضاتِها؛ الأمرُ الذي يستدعي منَ المُشَرِّعِ الوطنيِّ تشجيعَ التحكيمِ ودعمَهُ؛ لتمكينِ القضاءِ الوطنيِّ من القيامِ بدورِهِ في القضاءِ في المنازعاتِ الأُخرى الأكثرَ حسّاسيَّةً، وغيرِ المُتَّفَقِ على التحكيمِ بشأنِها أو غيرِ القابلةِ للتحكيمِ أصلاً، كالقضايا الجزائيَّةِ، وفي عدَمِ قُدرةِ القضاءِ الوطنيِّ على الفصلِ في القضايا المعروضةِ عليهِ بِشَكلٍ ناجزٍ، وفي رغبةِ الدولةِ وسَعْيِها لتحسينِ صورتِها لدى المتعاقدينَ الأجانبِ، وبالذاتِ المستثمرينَ، الذينَ قد لا يطمئنّونَ إلى استثماراتِهم إذا وَجدوا أنَّ الدولةَ المُضيِّفةَ للاستثمارِ، لا تُوفِّرُ لهم الضماناتِ الإجرائيَّةَ لحمايةِ استثماراتِهم. ولعلَّ إجازةَ الدولةِ للتحكيمِ وتوفيرَ تنظيمٍ قانونيٍّ يحترمُ إرادةَ الأطرافِ؛ يُعدُّ من أهمِّ تلكَ الضماناتِ، سواءٌ بخصوصِ المنازعاتِ التي تنشأُ بينَ المستثمرينَ وغيرِهِم منَ المتعاقدينَ، أو تلكَ التي تنشأُ بينَهم وبينَ الدولةِ؛ أو بينَهم وبينَ الأشخاصِ التابعينَ للدولةِ، هذا بالإضافةِ إلى أنَّ قضاءَ التحكيمِ أصبحَ في الوقتِ الحاضرِ صناعةً أو استثماراً يَدُرُّ دخلاً وفيراً على الدولةِ التي تَحتضِنُه؛ لذلكَ كلِّه فإنَّ من مصلحةِ الدولةِ أن يكونَ لديها نظامٌ قانونيٌّ صديقٌ وداعمٌ للتحكيمِ، لإغراءِ أطرافِ الاتِّفاقِ على التحكيمِ باختيارِها مقرّاً للتحكيمِ (Seat of arbitration). وهذا ما نلمَسُهُ بشكلٍ واضحٍ في أحكامِ القضاءِ في العديدِ من الدولِ، والتي تُبرِّرُ تعاطيها المَرِنَ والمُنحازَ نحوَ التحكيمِ، بالمحافظةِ على مكانةِ الدولةِ كمقرٍّ للتَحكيم. غيرَ أنَّ الدولةَ الحديثةَ، لم تقِفْ عندَ إقرارِها لإرادةِ الخصومِ باللجوءِ إلى التحكيمِ، وإنَّما حرصت ـ مقابلَ تنازُلِها عن الاستئثارِ المُطلقِ بالوظيفةِ القضائيَّةِ؛ والترخيصِ باستعمالِها من قبَلِ أشخاصٍ عاديِّين ـ على كفالةِ تحقيقِ الضماناتِ الأساسيَّةِ (Due Process) التي يُوفِّرها قضاءُ الدولةِ من خلالِ قضاءِ التحكيمِ، وذلكَ عن طريقِ إخضاعِ أحكامِ المُحكَّمينَ إلى رقابةِ قضاءِ الدولةِ؛ حتّى لا ينحرفَ قضاءُ التحكيمِ عن أداءِ وظيفتِهِ في تحقيقِ العدالةِ، وحتّى لا تُعتبرَ الدولةُ بالتالي مُقصِّرةً عن القيامِ بوظيفتِها القَضائِيَّةِ أمامَ شعبِها وأمامَ العالمِ، وذلكَ لِتَمَتُّعِ التحكيمِ بعدَدٍ من الضماناتِ والمزايا كحيدةِ المُحَكِّمينَ، وقَطعيَّةِ أحكامِ المُحكِّمينَ، بالإضافةِ لإمكانيَّةِ تنفيذِ هذهِ الأحكامِ على المستوييْنِ الوطنيِّ والدوليِّ، وعواملَ أخرى مثلَ المرونةِ، والسريَّةِ، والسرعةِ، والفاعليَّة،ِ بالإضافةِ إلى استقلاليَّةِ الأطرافِ، والتي تُعَدُّ من أبرزِ العواملِ الدافعةِ لاختيارِ التحكيمِ، كونَها تمنحُ الأطرافَ سلطةً واسعةً في تصميمِ شكلِ وإجراءاتِ العمليَّةِ التَحكيميَّةِ، وفقًا لنوعِ وطبيعةِ النزاعِ القائمِ بينَ الأطرافِ. ولهذا يُصَوِّرُ البعضُ ـ بِحَقٍّ ـ علاقةَ قضاءِ الدولةِ بقضاءِ التحكيمِ، كعلاقةِ من يُفوِّضُ ـ على مَضضٍ ـ جزءاً من صلاحياتِهِ إلى شخصٍ آخرَ حينَ يقولُ: "إلا أَّن الدولةَ تشعرُ بمسؤوليَّةٍ تجاهَ التحكيمِ تُشبهُ ـ في رأينا ـ مسؤوليَّةَ من فَوَّضَ جزءاً من سُلطتِهِ، ولكنَّهُ يخشى مَغَبَّةَ ذلكَ، ومِنْ ثَمَّ فهيَ، أي الدولةُ، تَحرِصُ على إخضاعِ التحكيمِ لرقابـةِ وإشرافِ قَضائِها، لتَدعمَ ثقةَ المتقاضينَ في التحكيمِ، ومنْ ثَمَّ تدعمُ فاعليَّةَ التحكيـمِ". وعليهِ فإنَّ الوظيفةَ الأبرزَ لأيِّ قانونِ تحكيمٍ، سواءٌ أكانَ داخليّاً أم دوليّاً، تتمثَّلُ في تنظيمِ العلاقةِ بين القضاءِ العاديِّ للدولةِ وقضاءِ التحكيمِ. ونؤكِّدُ ابتداءً أنَّ دورَ القانونِ في تنظيمِ علاقةِ قضاءِ الدولةِ بقضاءِ التحكيمِ لا ينحصرُ في هذهِ الزاويةِ فقط، أي الرقابةِ، فقضاءُ التحكيمِ لم يَعُدْ في الوقتِ الحاضرِ مُجرَّدَ طريقٍ استثنائيٍّ لِحَسْمِ المنازعاتِ بين الأفرادِ في المجتمعِ، تنظرُ إليهِ الدولةُ بعينِ الريبةِ والشكِّ، أو باعتبارِهِ خصماً أو مُنافساً لقضائِها، بلْ أصبحَ قضاءً أصيلاً، موازياً ومُعاوناً لقضاءِ الدولةِ، بلْ أنَّهُ يكادُ يكونُ القضاءَ الأصيلَ في المنازعاتِ التجاريَّةِ الدوليَّةِ، وفي بعضِ جوانبِ المنازعاتِ الداخليَّةِ، كالمنازعاتِ المُتعلِّقةِ بعقودِ الإنشاءاتِ (Construction Contracts)، حتّى أنَّ التحكيمَ قدِ امتدَّ في الآونةِ الأخيرةِ ليصبحَ من ضمنِ أهمِّ الوسائلِ المُتَّبعةِ في فضِّ المنازعاتِ الإداريَّة، والتي كانَ فَضُّ منازعاتِها حصراً بيدِ قضاءِ الدولةِ. وعليهِ فإنَّ علاقةَ قضاءِ الدولةِ بقضاءِ التحكيمِ، يجبُ أَلا تنطلقَ من فكرةِ وصايةِ الأوَّلِ على الأخيرِ، وإنَّما منَ الهدفِ النهائيِّ المشتركِ بينهما، والمُتمثِّلِ بتحقيقِ العدالةِ بينَ الخصومِ (Achieving Justice). على أن يكونَ ذلكَ كلَّهُ، مع التأكيدِ على أنَّ الهدفَ الذي يرمي إليهِ الخصومُ من ولوجِهم طريقَ التحكيمِ؛ هوَ السعيُ إلى العدالةِ على أُسسٍ قد تختلفُ عن المفهومِ التقليديِّ للعدالةِ أمامَ المحاكمِ؛ فالخصومُ عند اختيارهِم التحكيمَ يرتَضونَ مُقدَّماً بعدالةِ خاصَّةٍ، تُحدِّدُ ملامحَها الخصائصُ التي يتَّسِم بِها قضاءُ التحكيمِ( )، وهم يعلمونَ مُقدَّماً أنَّها تختلفُ عن عدالةِ القضاءِ العاديِّ للدولةِ، وبالتالي يجبُ ألا تكونَ علاقةُ قضاءِ الدولةِ بالتحكيمِ، سبباً في تعقيدِ القضايا بدلاً من حَلِّها؛ لأنَّ هذا يخالفُ الهدفَ الرئيسَ من وجودِ قضاءِ التحكيمِ.
مصلح احمد الطراونة -
من القانون الدولي العام والخاص - مكتبة كتب علوم سياسية وقانونية.

وصف الكتاب : إذا كانتِ العدالةُ في الدولةِ المعاصرةِ تتميَّزُ بكونِها عدالةً عامَّةً (Public Justice) تمارسُها الدولةُ من خلالِ أجهزتِها القضائيَّةِ المُختَصَّةِ، فإنَّ اعتباراتٍ مُتعدِّدةً اقتضتْ أَلا تبقى أجهزةُ قضاءِ الدولةِ هيَ المُحتَكِرةَ الوحيدةَ لحَسْمِ المنازعاتِ بينَ الأشخاصِ في المجتمعِ، وإنَّما يشاركُها في ذلكَ، وفي نطاقِ مُنازعاتٍ مُعيَّنةٍ على الأقلِّ، قضاءُ التحكيمِ، بِحُسبانِهِ صورةً مُنظَّمةً قانوناً من صورِ القضاءِ الخاصِّ المُعترَفِ بهِ في جميعِ النُظُمِ القانونِيَّةِ في العالمِ وعلى اختلافِ مَشاربِها. ومنَ المعلومِ أنَّ قضاءَ التحكيمِ ـ كأسلوبٍ لحسمِ المنازعاتِ بينَ الأفرادِ في المجتمعِ ـ يقومُ على مُرتَكزَيْنِ أساسِيَّينِ هُما: أوَّلاً: إرادةُ الخصومِ (Party autonomy) وثانياً: إقرارُ وتنظيمُ المُشَرِّعِ لهذِهِ الإرادةِ (State Regulation). فالدولةُ تُجيزُ التحكيمَ؛ لتُغْني الأشخاصَ عن الالتجاءِ إلى القضاءِ، مع ما تَقتضيهِ هذهِ الإجازةُ من توفيرِ الوقتِ والجهدِ والنفقاتِ عليهِم. ولهذا نَجِدُ أنَّ المُشَرِّعَ يمنحُ الخصومَ الحقَّ في اختيارِ أشخاصِ المُحكِّمينَ أو في وضعِ القواعدِ التي يتمُّ على ضوئِها اختيارُهم، كما يمنحُهمْ الحقَّ في اختيارِ شكلِ ونوعِ الإجراءاتِ التي يَتوجَّبُ على المُحكِّمِ اتِّباعُها، وفيما إذا كانتْ مؤسَّسيةً (Institutional) أو حُرَّةً (Ad hoc)، والقانونِ الذي يجبُ عليهِ تطبيقُهُ، سواءٌ على الإجراءاتِ (Lex Arbitri) أو على الموضوعِ (Substantive Law)، واللغةِ أو اللغاتِ التي يجبُ أنْ تُسيَّرَ بها إجراءاتُ التحكيمِ، ومَقرِّ التحكيمِ (Seat of Arbitration) وغيرِها من المسائلِ. ونظراً لأهمِّيةِ التحكيمِ ودورِهِ في فَضِّ المنازعاتِ بينَ الأشخاصِ في المجتمعِ، فقد اعترفتْ جميعُ التشريعاتِ الوطنيَّةِ والدوليَّةِ بسُلطةِ هيئةِ التحكيمِ بالفصلِ بالمنازعاتِ، من خلالِ إصدارِها قراراتٍ نهائيَّةً، مُلزِمةً لأطرافِ النزاعِ، مُكتسِبةً حجِّيةَ الأمرِ المقضيِّ بهِ (Res judicata)، وقابلةً للتنفيذِ، عبْرَ الجهازِ القضائيِّ للدولةِ، المطلوبِ تنفيذُ حكمِ التحكيمِ فيها، شريطةَ صدورِ هذهِ الأحكامِ على النحوِ الذي رسمَهُ القانونُ. ولكنْ، في مقابلِ اعترافِ مُشرِّعِ الدولةِ بمبدأِ سُلطانِ الإرادةِ (Party Autonomy) في نشأةِ قضاءِ التحكيمِ وتنظيمِهِ، فإنَّهُ لم يغفَلْ عن حقيقةِ أنَّ تحقيقَ العدالةِ في المجتمعِ هي من أهمِّ وظائفِ الدولةِ؛ وبالتالي فإنَّ الدولةَ، أيَّةَ دولةٍ، عندَ إجازتِها لقضاءِ التحكيمِ، لا تتنازلُ عن أداءِ هذهِ الوظيفةِ، التي هيَ من أهمِّ مظاهرِ سيادتِها، بلْ تُرخِّصُ باستعمالِها من قِبَلِ أشخاصٍ، هُمْ محَلِّ ثقةِ المُتخاصمين؛ أولئكَ همُ المحَكِّمون. وتعودُ أسبابُ هذا الترخيصِ إلى ما يُحقِّقهُ قضاءُ التحكيمِ من مزايا، باعتبارِهِ قضاءً موازياً لقضاءِ الدولة، سواءٌ بالنسبةِ للدولةِ نفسِها أو بالنسبةِ للخصومِ. ففيما يتعلَّقُ بالمزايا التي يُحقِّقُها قضاءُ التحكيمِ للخصومِ، فهيَ تختلفُ من اتِّفاقِ تحكيمٍ إلى آخرَ، ولكنَّها في جُملتِها تتمثَّلُ في الرغبةِ في الحصولِ على حكمٍ يَحسِمُ النزاعَ بطريقةٍ أكثرَ سرعةً، وأكثرَ فعاليَّةً، وأقلَّ كلفةً وأخفَّ لدداً، بالإضافةِ إلى تمكينِ الخصومِ من اختيارِ قُضاتِهم، أيْ مُحَكِّميهم، من ذوي الخبرةِ والاختصاصِ في الفصلِ في المنازعةِ ذاتِ الشأنِ، وفي الرغبةِ بالمحافظةِ على السرّيةِ في المسألةِ المتنازعِ فيها، وبالإضافةِ إلى ذلكَ تزدادُ أهمِّيةُ التحكيمِ في المنازعاتِ ذاتِ العنصرِ الأجنبيِّ، من ناحيةِ تجنيبِ أطرافِ تلكَ المنازعاتِ اللجوءَ إلى قضاءٍ وطنيٍّ غريبٍ على أحدِ المُتقاضييْنِ، إنْ لم يكنْ غريباً عليهِما معاً، ولهذا يُعدُّ قضاءُ التحكيمِ في إطارِ العلاقاتِ التجاريَّةِ الدوليَّةِ قضاءً مُحايداً (Neutral) بكلِّ ما تَحمِلهُ الكلمةُ من معنى، ويُحَقِّقُ لهم ما يُسمّى بالحيادِ الإجرائيِّ (Procedural Neutrality)، والذي لا يمكنُ أن يتوفَّرَ بالقضاءِ الوطنيِّ المرتبطِ ارتباطاً وثيقاً في دولتِهِ سيادةً وقانوناً. وأمّا فيما يَتعلَّقُ بمصلحةِ الدولةِ في إجازةِ التحكيمِ فتَتمثَّلُ ـ في الغالبِ ـ بالرغبةِ في تَخفيفِ العبءِ الكبيرِ المُلقى على عاتقِ مَحاكِمِها؛ بسببِ تَكدُّسِ وتَنوُّعِ العديدِ من القضايا في أدراجِها وعلى مكاتبِ قُضاتِها؛ الأمرُ الذي يستدعي منَ المُشَرِّعِ الوطنيِّ تشجيعَ التحكيمِ ودعمَهُ؛ لتمكينِ القضاءِ الوطنيِّ من القيامِ بدورِهِ في القضاءِ في المنازعاتِ الأُخرى الأكثرَ حسّاسيَّةً، وغيرِ المُتَّفَقِ على التحكيمِ بشأنِها أو غيرِ القابلةِ للتحكيمِ أصلاً، كالقضايا الجزائيَّةِ، وفي عدَمِ قُدرةِ القضاءِ الوطنيِّ على الفصلِ في القضايا المعروضةِ عليهِ بِشَكلٍ ناجزٍ، وفي رغبةِ الدولةِ وسَعْيِها لتحسينِ صورتِها لدى المتعاقدينَ الأجانبِ، وبالذاتِ المستثمرينَ، الذينَ قد لا يطمئنّونَ إلى استثماراتِهم إذا وَجدوا أنَّ الدولةَ المُضيِّفةَ للاستثمارِ، لا تُوفِّرُ لهم الضماناتِ الإجرائيَّةَ لحمايةِ استثماراتِهم. ولعلَّ إجازةَ الدولةِ للتحكيمِ وتوفيرَ تنظيمٍ قانونيٍّ يحترمُ إرادةَ الأطرافِ؛ يُعدُّ من أهمِّ تلكَ الضماناتِ، سواءٌ بخصوصِ المنازعاتِ التي تنشأُ بينَ المستثمرينَ وغيرِهِم منَ المتعاقدينَ، أو تلكَ التي تنشأُ بينَهم وبينَ الدولةِ؛ أو بينَهم وبينَ الأشخاصِ التابعينَ للدولةِ، هذا بالإضافةِ إلى أنَّ قضاءَ التحكيمِ أصبحَ في الوقتِ الحاضرِ صناعةً أو استثماراً يَدُرُّ دخلاً وفيراً على الدولةِ التي تَحتضِنُه؛ لذلكَ كلِّه فإنَّ من مصلحةِ الدولةِ أن يكونَ لديها نظامٌ قانونيٌّ صديقٌ وداعمٌ للتحكيمِ، لإغراءِ أطرافِ الاتِّفاقِ على التحكيمِ باختيارِها مقرّاً للتحكيمِ (Seat of arbitration). وهذا ما نلمَسُهُ بشكلٍ واضحٍ في أحكامِ القضاءِ في العديدِ من الدولِ، والتي تُبرِّرُ تعاطيها المَرِنَ والمُنحازَ نحوَ التحكيمِ، بالمحافظةِ على مكانةِ الدولةِ كمقرٍّ للتَحكيم. غيرَ أنَّ الدولةَ الحديثةَ، لم تقِفْ عندَ إقرارِها لإرادةِ الخصومِ باللجوءِ إلى التحكيمِ، وإنَّما حرصت ـ مقابلَ تنازُلِها عن الاستئثارِ المُطلقِ بالوظيفةِ القضائيَّةِ؛ والترخيصِ باستعمالِها من قبَلِ أشخاصٍ عاديِّين ـ على كفالةِ تحقيقِ الضماناتِ الأساسيَّةِ (Due Process) التي يُوفِّرها قضاءُ الدولةِ من خلالِ قضاءِ التحكيمِ، وذلكَ عن طريقِ إخضاعِ أحكامِ المُحكَّمينَ إلى رقابةِ قضاءِ الدولةِ؛ حتّى لا ينحرفَ قضاءُ التحكيمِ عن أداءِ وظيفتِهِ في تحقيقِ العدالةِ، وحتّى لا تُعتبرَ الدولةُ بالتالي مُقصِّرةً عن القيامِ بوظيفتِها القَضائِيَّةِ أمامَ شعبِها وأمامَ العالمِ، وذلكَ لِتَمَتُّعِ التحكيمِ بعدَدٍ من الضماناتِ والمزايا كحيدةِ المُحَكِّمينَ، وقَطعيَّةِ أحكامِ المُحكِّمينَ، بالإضافةِ لإمكانيَّةِ تنفيذِ هذهِ الأحكامِ على المستوييْنِ الوطنيِّ والدوليِّ، وعواملَ أخرى مثلَ المرونةِ، والسريَّةِ، والسرعةِ، والفاعليَّة،ِ بالإضافةِ إلى استقلاليَّةِ الأطرافِ، والتي تُعَدُّ من أبرزِ العواملِ الدافعةِ لاختيارِ التحكيمِ، كونَها تمنحُ الأطرافَ سلطةً واسعةً في تصميمِ شكلِ وإجراءاتِ العمليَّةِ التَحكيميَّةِ، وفقًا لنوعِ وطبيعةِ النزاعِ القائمِ بينَ الأطرافِ. ولهذا يُصَوِّرُ البعضُ ـ بِحَقٍّ ـ علاقةَ قضاءِ الدولةِ بقضاءِ التحكيمِ، كعلاقةِ من يُفوِّضُ ـ على مَضضٍ ـ جزءاً من صلاحياتِهِ إلى شخصٍ آخرَ حينَ يقولُ: "إلا أَّن الدولةَ تشعرُ بمسؤوليَّةٍ تجاهَ التحكيمِ تُشبهُ ـ في رأينا ـ مسؤوليَّةَ من فَوَّضَ جزءاً من سُلطتِهِ، ولكنَّهُ يخشى مَغَبَّةَ ذلكَ، ومِنْ ثَمَّ فهيَ، أي الدولةُ، تَحرِصُ على إخضاعِ التحكيمِ لرقابـةِ وإشرافِ قَضائِها، لتَدعمَ ثقةَ المتقاضينَ في التحكيمِ، ومنْ ثَمَّ تدعمُ فاعليَّةَ التحكيـمِ". وعليهِ فإنَّ الوظيفةَ الأبرزَ لأيِّ قانونِ تحكيمٍ، سواءٌ أكانَ داخليّاً أم دوليّاً، تتمثَّلُ في تنظيمِ العلاقةِ بين القضاءِ العاديِّ للدولةِ وقضاءِ التحكيمِ. ونؤكِّدُ ابتداءً أنَّ دورَ القانونِ في تنظيمِ علاقةِ قضاءِ الدولةِ بقضاءِ التحكيمِ لا ينحصرُ في هذهِ الزاويةِ فقط، أي الرقابةِ، فقضاءُ التحكيمِ لم يَعُدْ في الوقتِ الحاضرِ مُجرَّدَ طريقٍ استثنائيٍّ لِحَسْمِ المنازعاتِ بين الأفرادِ في المجتمعِ، تنظرُ إليهِ الدولةُ بعينِ الريبةِ والشكِّ، أو باعتبارِهِ خصماً أو مُنافساً لقضائِها، بلْ أصبحَ قضاءً أصيلاً، موازياً ومُعاوناً لقضاءِ الدولةِ، بلْ أنَّهُ يكادُ يكونُ القضاءَ الأصيلَ في المنازعاتِ التجاريَّةِ الدوليَّةِ، وفي بعضِ جوانبِ المنازعاتِ الداخليَّةِ، كالمنازعاتِ المُتعلِّقةِ بعقودِ الإنشاءاتِ (Construction Contracts)، حتّى أنَّ التحكيمَ قدِ امتدَّ في الآونةِ الأخيرةِ ليصبحَ من ضمنِ أهمِّ الوسائلِ المُتَّبعةِ في فضِّ المنازعاتِ الإداريَّة، والتي كانَ فَضُّ منازعاتِها حصراً بيدِ قضاءِ الدولةِ. وعليهِ فإنَّ علاقةَ قضاءِ الدولةِ بقضاءِ التحكيمِ، يجبُ أَلا تنطلقَ من فكرةِ وصايةِ الأوَّلِ على الأخيرِ، وإنَّما منَ الهدفِ النهائيِّ المشتركِ بينهما، والمُتمثِّلِ بتحقيقِ العدالةِ بينَ الخصومِ (Achieving Justice). على أن يكونَ ذلكَ كلَّهُ، مع التأكيدِ على أنَّ الهدفَ الذي يرمي إليهِ الخصومُ من ولوجِهم طريقَ التحكيمِ؛ هوَ السعيُ إلى العدالةِ على أُسسٍ قد تختلفُ عن المفهومِ التقليديِّ للعدالةِ أمامَ المحاكمِ؛ فالخصومُ عند اختيارهِم التحكيمَ يرتَضونَ مُقدَّماً بعدالةِ خاصَّةٍ، تُحدِّدُ ملامحَها الخصائصُ التي يتَّسِم بِها قضاءُ التحكيمِ( )، وهم يعلمونَ مُقدَّماً أنَّها تختلفُ عن عدالةِ القضاءِ العاديِّ للدولةِ، وبالتالي يجبُ ألا تكونَ علاقةُ قضاءِ الدولةِ بالتحكيمِ، سبباً في تعقيدِ القضايا بدلاً من حَلِّها؛ لأنَّ هذا يخالفُ الهدفَ الرئيسَ من وجودِ قضاءِ التحكيمِ.


للكاتب/المؤلف : مصلح احمد الطراونة .
دار النشر : دار الثقافة المغربية للنشر والتوزيع .
سنة النشر : 2026م / 1447هـ .
عدد مرات التحميل : 50 مرّة / مرات.
تم اضافته في : الأربعاء , 3 ديسمبر 2025م.

ولتسجيل ملاحظاتك ورأيك حول الكتاب يمكنك المشاركه في التعليقات من هنا:


نوع الكتاب : .
اذا اعجبك الكتاب فضلاً اضغط على أعجبني
و يمكنك تحميله من هنا:


مصلح احمد الطراونة
مصلح احمد الطراونة
Musleh Ahmad Al Tarawneh
.



كتب اخرى في القانون الدولي العام والخاص

احكام العقد الالكتروني PDF

قراءة و تحميل كتاب احكام العقد الالكتروني PDF مجانا

القيادة والمسؤولية المجتمعية PDF

قراءة و تحميل كتاب القيادة والمسؤولية المجتمعية PDF مجانا

شرط التحكيم بين الامتداد والانتقال الى الغير PDF

قراءة و تحميل كتاب شرط التحكيم بين الامتداد والانتقال الى الغير PDF مجانا

حقوق والتزامات المقاول - عقد الاشغال العامة - عقد المقاولة الموحد (الفيديك) عقد البوت B.O.T PDF

قراءة و تحميل كتاب حقوق والتزامات المقاول - عقد الاشغال العامة - عقد المقاولة الموحد (الفيديك) عقد البوت B.O.T PDF مجانا

الدليل العملي للمحامي الشرعي PDF

قراءة و تحميل كتاب الدليل العملي للمحامي الشرعي PDF مجانا

الاطار القانوني لشركة راس المال المغامر PDF

قراءة و تحميل كتاب الاطار القانوني لشركة راس المال المغامر PDF مجانا

المزيد من كتب العلوم السياسية في مكتبة كتب العلوم السياسية , المزيد من كتب القانون الجنائي في مكتبة كتب القانون الجنائي , المزيد من كتب العلوم القانونية في مكتبة كتب العلوم القانونية , المزيد من كتب القانون باللغة الأنجليزية English Law Books في مكتبة كتب القانون باللغة الأنجليزية English Law Books , المزيد من كتب القانون السعودي في مكتبة كتب القانون السعودي , المزيد من كتب القانون المغربي في مكتبة كتب القانون المغربي , المزيد من كتب السياسه والقانون في مكتبة كتب السياسه والقانون , المزيد من كتب العلوم العسكرية في مكتبة كتب العلوم العسكرية , المزيد من كتب الأحوال الشخصية في مكتبة كتب الأحوال الشخصية
عرض كل كتب علوم سياسية وقانونية ..
اقرأ المزيد في مكتبة كتب إسلامية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب تقنية المعلومات , اقرأ المزيد في مكتبة المناهج التعليمية والكتب الدراسية , اقرأ المزيد في مكتبة القصص والروايات والمجلّات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الهندسة والتكنولوجيا , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب والموسوعات العامة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب تعلم اللغات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب التنمية البشرية , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب التعليمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب التاريخ , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الأطفال قصص ومجلات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الطب , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب العلمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب علوم سياسية وقانونية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الأدب , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الروايات الأجنبية والعالمية , اقرأ المزيد في مكتبة كتب اللياقة البدنية والصحة العامة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب الأسرة والتربية الطبخ والديكور , اقرأ المزيد في مكتبة الكتب الغير مصنّفة , اقرأ المزيد في مكتبة كتب المعاجم واللغات , اقرأ المزيد في مكتبة كتب علوم عسكرية و قانون دولي
جميع مكتبات الكتب ..